أحمد بن محمد مسكويه الرازي
304
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
المخوف ، وهذا الجهل هو الذي حمل الحكماء على طلب العلم والتعب به ، وتركوا لأجله اللذات الجسمانية وراحات البدن ، واختاروا عليه النصب والسهر ورأوا أن الراحة التي تكون من النفس هي الراحة الحقيقية ، وان التعب الحقيقي هو تعب الجهل ، لأنه مرض مزمن للنفس ، والبرء عنه خلاص لها وراحة سرمدية ولذة أبدية . ولما تيقن الحكماء ذلك واستبصروا فيه وهجموا على حقيقته ووصلوا إلى الروح والراحة منه ، هانت عليهم أمور الدنيا كلّها واستحقروا جميع ما يستعظمه الجمهور من المال والثورة واللذات الحسيّة ، والمطالب التي تؤدي إليها إذا كانت قليلة الثبات والبقاء سريعة الزوال والفناء كثيرة الهموم إذا وجدت عظيمة الغموم إذا فقدت ، واقتصروا منها على المقدار الضروري في الحياة . وتسلّوا عن فضول العيش الذي فيه ما ذكرت من العيوب وما لم أذكره ، ولأنها مع ذلك بلا نهاية ، وذلك أن الانسان إذا بلغ منها إلى غاية ، تاقت نفسه إلى غاية أخرى من غير وقوف على حد ، ولا انتهاء إلى أمد ، وهذا هو الموت لا ما خاف منه ، والحرص عليه هو الحرص على الزائل والشغل به هو الشغل بالباطل . ولذلك جزم الحكماء بأن الموت موتان : موت إرادي وموت طبيعي . وكذلك الحياة حياتان : حيات إرادية وحياة طبيعية . وعنوا بالموت الإرادي إماتة الشهوات وترك التعرض لها ، وبالموت الطبيعي مفارقة النفس البدن ، وعنوا بالحياة الإرادية ما يسعي له الانسان لحياته الدنيا من المآكل والمشارب والشهوات ، وبالحياة الطبيعية بقاء النفس السرمدي بما تستفيده من العلوم الحقيقية وتبرأ به من الجهل . « 1 »
--> ( 1 ) . الموت الإرادي ، يعنون به إحياء النفس بإماتة الشهوات ، والحياة الطبيعيّة ، بقاء النفس في الغبطة الأبدية بما تستفيده من العلوم الحقيقية ، وتبرأ به من الجهل .